الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والأذقان : جمع الذقن - بفتح الذال وفتح القاف - مجتمع اللحيين . وذكر الذقن للدلالة على تمكينهم الوجوه كلها من الأرض من قوة الرغبة في السجود لما فيه من استحضار الخضوع للّه تعالى . و سُجَّداً جمع ساجد ، وهو في موضع الحال من ضمير يَخِرُّونَ لبيان الغرض من هذا الخرور ، وسجودهم سجود تعظيم للّه عند مشاهدة آية من دلائل علمه وصدق رسله وتحقيق وعده . وعطفت وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا على يَخِرُّونَ للإشارة إلى أنهم يجمعون بين الفعل الدال على الخضوع والقول الدال على التنزيه والتعظيم . ونظيره قوله : خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ السجدة : 15 ] . على أن في قولهم : سُبْحانَ رَبِّنا دلالة على التعجب والبهجة من تحقق وعد اللّه في التوراة والإنجيل بمجيء الرسول الخاتم صلى اللّه عليه وسلّم . وجملة إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا من تمام مقولهم . وهو المقصود من القول ، لأن تسبيحهم قبله تسبيح تعجب واعتبار بأنه الكتاب الموعود به وبرسوله في الكتب السابقة . و ( إن ) مخففة من الثقيلة ، وقد بطل عملها بسبب التخفيف ، ووليها فعل من نواسخ المبتدأ جريا على الغالب في استعمال المخففة . وقرن خبر الناسخ باللام الفارقة بين المخففة والنافية . والوعد باق على أصله من المصدرية . وتحقيق الوعد يستلزم تحقيق الموعود به فحصل التصديق بالوعد والموعود به . ومعنى لَمَفْعُولًا أن اللّه يفعل ما جاء في وعده ، أي يكونه ويحققه ، وهذا السجود سجود تعظيم للّه إذ حقق وعده بعد سنين طويلة . وقوله : وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ تكرير للجملة باختلاف الحال المقترنة بها ، أعيدت الجملة تمهيدا لذكر الحال . وقد يقع التكرير مع العطف لأجل اختلاف القيود ، فتكون تلك المغايرة مصححة العطف ، كقول مرة بن عداء الفقعسي : فهلّا أعدّوني لمثلي تفاقدوا * إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا * وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب